خطوات بسيطة تعيد لنا الهدوء والإنجاز في شهر مليان خير وبركة.
وبرغم الزحمة، يظل هذا الشهر بالنسبة لي أفضل وقت أقدر أتغيّر فيه فعلًا: أرتّب نفسي، أبني عادات صغيرة، وأبدأ من جديد. يمكن لان فيه بركة، ويمكن لأن القلب يكون أقرب. كل سنة أدخل رمضان بحماس كبير وخطط كثيرة أبغى أكتب، أذاكر، أطبخ، أزور، وأهتم بنفسي. لكن ما إن يبدأ اليوم يمشي حتى ألقى نفسي أركض بين المطبخ والجامعة والطلعات، وأوصل آخر الليل بدون طاقة ولا تركيز وكل مرة أنوي أكتب عن التوازن في رمضان، احس انه الوقت يطير، والطاقة تتبخر، والمقال يتأجل.
ومع هذا، كنت مؤمنة إن اللحظة المناسبة بتجي… وجت. واليوم، وأنا في اليوم التاسع من رمضان، قررت أكتب عن الأشياء الصغيرة اللي ساعدتني أوازن بين كل شيء بدون ما أرهق نفسي، وكيف قدرت أرجع للكتابة حتى لو كانت أول مقالة بعد فترة طويلة.
الاستعانة بالله والنية الواضحة
وأول شيء تعلّمته وسط كل هذا الزحام، إن التوازن ما يبدأ من جدول ولا من خطة… يبدأ من القلب. كل مرة أحس فيها إن يومي ثقيل أو مهامي كثيرة، أرجع لأبسط خطوة: أستعين بالله. أطلب منه القوة، والبركة، والقدرة على إنجاز الأشياء بدون ما أتعب نفسي. والنية الواضحة تغيّر كل شيء؛ لما أربط كل عمل بالأجر سواء طبخ، تنظيف، دراسة، حتى مشوار الجامعة يخف ويسهل، وإن كل خطوة محسوبة عند الله.
وفيه ورد قبل النوم صرت أحرص عليه، وهو التسبيح المعروف: سبحان الله ٣٣، الحمد لله ٣٣، الله أكبر ٣٤. الحديث اللي ورد عن علي وفاطمة رضي الله عنهما. ما تتخيلون قدّيش يفرق في طاقتي لليوم اللي بعده. أحس جسمي أخف، ونفسيتي أهدى، وشغلي يمشي بسلاسة. كأنه يعيد شحن روحي قبل جسمي.
تصغير المهام وتوضيحها للمخ
ومن الأشياء اللي فرقت معي كثير، إني فهمت إن المخ ما يحب أن المهام الكبيرةا العناوين العامة. لما أقول لنفسي: بدرس اليوم أو بسوّي شغل المطبخ، مخي يرفض يبدأ لأنه ما يعرف وش المطلوب بالضبط. لكن لما أصغّر المهمة، فجأة تصير سهلة وخفيفة، وكأنها ما تستاهل كل القلق اللي كنت أحطه فيها.
صرت أتعامل مع يومي بطريقة أوضح: أدخل المطبخ وأنا محددة وش بسوي أقطع بصلة، أغسل الرز، أرتّب الغسالة. مهام صغيرة، واضحة، وتخلص بسرعة. وحتى في الدراسة، بدل ما أقول “بذاكر المنهج”، أقول: براجع درس واحد… وببدأ بالأصعب. ومع الوقت اكتشفت إن وضوح المهمة أهم من حجمها، وإن الإنجاز يبدأ من خطوة صغيرة، مو من خطة مثالية.وكل ما صغّرت المهمة، حسّيت إن طاقتي تزيد، وإني أتحرك بدون مقاومة. كأنك تعطي مخك طريق مختصر بدل ما تخلينه يضيع في زحمة التفاصيل.
لا تضخيم الأمور في رأسك
ومن أكثر الأشياء اللي كانت تتعبني بدون ما أنتبه… إني كنت “أشيل هم” المهام قبل ما أسويها. أكررها في راسي طول اليوم: لازم أكتب، لازم أذاكر، لازم أرتّب… ومع كل تكرار، تكبر المهمة وتثقل، وتصير أصعب من حقيقتها. كأنها سمفونية تدور في الخلفية وتستهلك طاقتي قبل ما أبدأ أصلًا.مع الوقت فهمت إن المشكلة مو في المهمة نفسها، المشكلة في الوقت اللي أقضيه أفكر فيها بدل ما أسويها. لما أتعامل مع الشيء ببساطة أكتب خمس دقايق، أذاكر صفحة، أرتّب ركن واحد أحس إن الحمل يطيح، وإن الإنجاز يصير أسهل بكثير من الصورة اللي رسمتها في مخي.حتى كتابة المدونة، اللي المفروض تكون هواية وسعة صدر، صارت ثقيلة لأني كنت أكررها في راسي كل يوم بدون ما أبدأ. ولما خفّفتها، وقلت: بكتب فقرة وبس… لقيت نفسي أكتب أكثر من اللي توقعت، وبراحة أكبر.الفكرة إنك ما تعطين المهمة حجم أكبر من حجمها الحقيقي. كل ما خفّيتيها، خفّ عليك يومك.
المشي والخروج وتصفية الذهن
ومن الأشياء اللي صارت تنقذ يومي بدون مبالغة… المشي. مو مشي رياضي ولا هدفه عدد خطوات، لكن مشي بسيط في الحارة، أو مشوار خفيف للقهوة، أو حتى لفّة بدون أي سبب واضح. هذا النوع من المشي يعطي راحة ما تنوصف. كأنه يفتح نافذة هواء داخل الزحمة، ويصفّي الذهن من تراكم المهام اللي تدور في الرأس.أحيانًا أمشي وأنا أسبّح أو أذكر الله، وأحيانًا أمشي وأنا بس أسمع صوت الشارع والهواء. وأحيانًا تكون أحلى اللحظات لما أمشي وأسولف مع أحد، أو حتى أسولف مع نفسي، والمشي يعيد ترتيب النفس بطريقة ما تقدرين تلاحظينها إلا بعد ما ترجعي البيت وأنتِ أخفّ.
المشي صار بالنسبة لي زر إعادة تشغيل. كل ما حسّيت يومي ثقيل، أطلع أمشي عشر دقايق… وأرجع إنسانة ثانية.
بناء العادات الصغيرة
وأكثر شيء غيّر نظرتي للإنجاز في رمضان هو فهم فكرة العادات الصغيرة. مو لازم أبدأ بداية قوية، ولا لازم ألتزم بساعات طويلة من الرياضة أو الدراسة أو العناية. التغيير الحقيقي يبدأ من خطوة بسيطة… خطوة 1% بس. ومع الوقت، هذا الواحد بالمية يكبر بدون ما أحس.
– عشر دقايق مشي تكفي.
– خمس دقايق كتابة تكفي.
– ذكر واحد قبل النوم يكفي.
–صفحة واحدة من الدراسة تكفي.
ومع الأيام، لقيت نفسي أزيد بدون ما أضغط على نفسي. حتى العادات اللي كنت أحسها صعبة مثل يوغا الوجه أو تمارين التنفس صرت أتعامل معها بلطف. إذا نسيتها يوم، أرجع لها اليوم اللي بعده بدون جلد ذات. لأن الهدف مو الكمال… الهدف الاستمرار.العادات الصغيرة تعطيك شعور إنك تتحرك، حتى لو ببطء. وتخلي يومك أخف، وتعطي احساس انك كفو، وإن التغيير مو بعيد ولا مستحيل. وهذا بالضبط اللي يخلي رمضان فرصة ذهبية: كل خطوة صغيرة فيه لها بركة مضاعفة.
في الختام رمضان مساحة للتخفّف… مو للضغط
وبعد كل هالأيام اللي جرّبت فيها أوازن بين العبادة والمسؤوليات والدراسة والكتابة، وصلت لقناعة بسيطة: رمضان ما يطلب منّا نكون مثاليين يطلب نكون صادقين مع أنفسنا. نشتغل على قد طاقتنا، ونبني عادات صغيرة، ونستعين بالله قبل كل شيء. وكل خطوة حتي لو كانت بسيطة لها بركة، ولها أثر، وتمشي فينا أكثر مما نتوقع.التوازن مو إن يومك يكون كامل التوازن إنك تعرفين متى توقفين، ومتى تكملين، ومتى تخفّفين على نفسك. وإنك تتذكرين إن كل خير تسويه طبخ، دراسة، خدمة، ذكر، راحة هو عبادة إذا نوّيتيه لله.ورمضان فرصة نرجع فيها لأنفسنا، نرتّب أولوياتنا، ونبني نسخة ألطف وأهدى وأقرب لله. ويمكن أجمل شيء فيه… إنه يعطينا مساحة نبدأ من جديد، حتى لو تأخرنا، حتى لو تعبنا، حتى لو كتبنا أول مقالة في اليوم التاسع.

تعليقات
إرسال تعليق